تَأَمُّلَاتٌ فِي الْآيَاتِ
مَعَ حَدِيثِ الْخَلَجَاتِ
قَال تَعَالَىٰ:
﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾
🔹 سورة طه - الآية 111 🔹
✨ يوم سقوط الألقاب وتساوي الخلائق
في الدنيا تتفاوت الوجوه؛ وجوهٌ يرفعها سلطان، ووجوهٌ تزينها أموال، ووجوهٌ تلتف حولها الجموع إعجابًا أو رهبة. لكن هناك يومًا تسقط فيه كل الألقاب، وتُطوى فيه كل الرايات، وتعود الوجوه إلى حقيقتها الأولى: عبادٌ بين يدي ربهم.
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾... أي خضعت، وذلت، واستسلمت. لم يقل الله: "وعنت الرقاب" أو "وعنت الأجساد"، بل خصّ الوجوه لأنها موضع الكِبر والعزة والهيبة في أعين الناس. فالوجه الذي كان يترفّع على الخلق، ويعرض عن الحق، ويأنف من النصيحة، يقف يوم القيامة منكسرًا لا يملك لنفسه شيئًا.
﴿للْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾... لمن له الحياة الكاملة التي لا يسبقها عدم ولا يلحقها فناء، ولمن قامت به السماوات والأرض ومن فيهما. هناك يدرك الإنسان حقيقة ضعفه، وأنه كان يعيش بقوةٍ ليست منه، ويتنفس هواءً لم يصنعه، ويخطو على أرضٍ لم يملكها. كم من قويٍّ ظن أن قوته ستنجيه! وكم من متكبرٍ حسب أن مكانته سترفعه! لكن الجميع يقفون سواءً أمام الحي القيوم.
⚖️ ثقل الأحمال وخيبة الميزان
ثم تأتي الجملة التي تهز القلوب: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. لم يقل: "ومن فعل ظلمًا"، بل قال: "حمل ظلمًا". وكأن الظلم حملٌ ثقيل يضعه صاحبه على ظهره، يسير به الأيام وهو يظن أنه نجا، حتى يأتي يوم الحساب فيكتشف أنه كان يحمل سبب هلاكه بيديه.
يحمل ظلم زوجةٍ أُهينت. أو دمعةَ يتيمٍ كُسِر قلبه. أو حقَّ عاملٍ مُنع أجره. أو كلمةَ بهتانٍ شوَّهت سمعة بريء. أو قطيعةَ رحمٍ صنعها الكبر والعناد. كل ذلك يُحمل ولا يضيع.
قال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
📚 رواه مسلم في صحيحه
💬 رسائل أحمد سعيد
- يا صاحب القلب: إذا كان كل الناس سيقفون أذلاء بين يدي الله، فلا تجعل في صحيفتك مظلمة لأحد.
- إن كنت مظلومًا: فاصبر؛ فإن ربك هو الحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينسى.
- إن كنت ظالمًا: فبادر برد الحقوق قبل يومٍ لا ينفع فيه ندم.
ليس أخطر ما في الظلم أنه يؤذي الآخرين، بل أنه يثقل روح صاحبه وهو لا يشعر. فخفّف حملك قبل الرحيل، وردّ المظالم إلى أهلها، فما دام باب التوبة مفتوحًا فباب النجاة لم يُغلق بعد.
🌿 تأمل وختام..
"سيأتي يوم تنحني فيه كل الوجوه، فاحرص أن يكون وجهك يومها خاضعًا لله طائعًا، لا منكسرًا تحت أثقال الظلم والحقوق."
💡 اقرأ أيضاً من نفس السلسلة: تأملات في الآيات: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ" - سورة ابراهيم الآية 42
#رسائل_أحمد_سعيد | #حديث_الخلجات | #تأملات_في_الآيات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
يهمني اثراءكم وتعقيبكم